الآلوسي
112
تفسير الآلوسي
كما في قوله تعالى : * ( وعنده مفاتح الغيب ) * ( الأنعام : 56 ) والمراد وآتيناه من الكنوز ما إن حفظها والاطلاع عليها ليثقل على العصبة أي هذه الكنوز لكثرتها واختلاف أصنافها تتعب حفظتها القائمين على حفظها * ( إذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ ) * . قال الزمخشري : هو متعلق بتنوء وضعف بأن أثقال المفاتح العصبة ليس مقيداً بوقت قول قومه ، وقال ابن عطية : ببغى ، وضعف بنحو ذلك ، وقال أبو البقاء : بآتينا ، ويجوز أن يكون ظرفاً لمحذوف دل عليه الكلام أي بغى عليهم إذ قال ، وفي كل منهما ما سبق ، وقال الحوفي منصوب باذكر محذوفاً ، وجوز كونه متعلقاً بما بعده من قوله تعالى : * ( قال إنما أوتيته ) * ( القصص : 8 ، ) والجملة مقررة لبغيه ورجح تعلقه بمحذوف والتقدير أظهر التفاخر والفرح بما أوتي إذ قال له قومه * ( لاَ تَفْرَحْ ) * لا تبطر والفرح بالدنيا لذاتها مذموم لأنه نتيجة حبها والرضا بها والذهول عن ذهابها فإن العلم بأن ما فيها من اللذة مفارقة لا محالة يوجب الترح حتماً كما قال أبو الطيب : أشد الغم عندي في سرور * تيقن عنه صاحبه انتقالا وقال ابن شمس الخلافة : وإذا نظرت فإن بؤساً زائلا * للمرء خير من نعيم زائل ولذلك قال عز وجل : * ( ولا تفرحوا بما آتاكم ) * ( الحديد : 23 ) والعرب تمدح بترك الفرح عند إقبال الخير قال الشاعر : ولست بمفراح إذ الدهر سرني * ولا جازع من صرفه المتقلب وقال آخر : إن تلاق منفساً لا تلقنا * فرح الخير ولانكبو لضر وعلل سبحانه النهي ههنا بكون الفرح مانعاً من محبته عز وجل فقال تعالى : * ( إنَّ اللَّهَ لاَ يُحبُّ الفَرحينَ ) * فهو دليل إني على كون الفرح بالدنيا مذموماً شرعاً ، وإنما قلنا : إن الفرح بها لذاتها مذموم لأن الفرح بها لكونها وسيلة إلى أمر من أمور الآخرة غير مذموم ، ومحبه الله تعالى عنه كثير صفة فعل أي أنه تعالى لا يكرم الفرحين بزخارف الدنيا ولا ينعم جل شأنه عليهم ولا يقربهم عز وجل ، والمراد أنه تعالى يبغضهم ويهينهم ويبعدهم عن حضرته سبحانه ، وقال بعضهم : إن في نفي محبته تعالى إياهم تنبيهاً على أن عدم محبته تعالى كاف في الزجر عما نهى عنه فما بالك بالبغض والعقاب وهو حسن ، وحكى عيسى بن سليمان الحجازي أنه قرىء * ( الفارحين ) * . * ( وابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الاَْخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِى الاَْرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) * * ( وابْتَغ فيمَا آتَاكَ اللَّهُ ) * من الكنوز والغنى * ( الدَّارَ الآخرَةَ ) * أي ثوابها أي ثواب الله تعالى فيها بصرف ذلك إلى ما يكون وسيلة إليه و * ( في ) * إما ظرفية على معنى ابتغ متقلباً ومتصرفاً فيه أو سببية على معنى ابتغ بصرف ما أتاك الله تعالى ذلك وقرئ * ( اتبع ) * * ( وَلاَ تَنْسَ ) * أي ولا تترك ترك المنسي * ( نَصيبَكَ منَ الدُّنْيَا ) * أي حظك منها وهو كما أخرج الفريابي . وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن تعمل فيها لآخرتك ، وروي ذلك عن مجاهد . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة هو أن تأخذ من الدنيا ما أحل الله تعالى لك ، وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن منصور قال : ليس هو عرض من عرض الدنيا ولكن نصيبك عمرك أن تقدم فيه لآخرتك ، وأخرج ابن المنذر وجماعة عن الحسن أنه قال في الآية : قدم الفضل وأمسك ما يبلغك ، وقال مالك : هو الأكل والشرب بلا سرف ، وقيل : أرادوا بنصيبه من الدنيا الكفن كما قال الشاعر : نصيبك مما تجعل الدهر كله * رداءان تلوى فيهما وحنوط